السودان بين المملكة وقطر
عرض المادة

الصفحة الرئيسية » مقالات وآراء » الطيب مصطفى طباعة Share|
السودان بين المملكة وقطر 152 زائر 11-03-2018 admin

أعتقد أن غضب السودانيين من المعاملة غير الكريمة التي يتلقّاها السودان من القيادة السعودية في مقابل ما تغدقه المملكة على مصر ليس ناشئاً من (حسادة سودانية) لمصر كما زعم بعض المصريين الذين تهكّموا وسخروا من السودان والسودانيين في وسائط التواصل الاجتماعي.

الأمر ببساطة ناشئ عن إحساس بالإذلال والاحتقار والإهانة جراء الطريقة التي تتعامل بها السعودية مع السودان شعباً وقيادة ووطناً.

نعم، بقدر ما بالغ السودان في دعمه للمملكة، بالغت المملكة في تجاهله والحط من قدره، فحدّثوني بربكم عن دولة قدّمت معشار ما بذله السودان من دعم للسعودية.. مّن غيرنا بادر بقطع علاقاته مع إيران رغم علاقته الوطيدة القديمة معها بمجرد أن تعرّضت سفارة المملكة لاعتداء في طهران؟!

من غيرنا بادر بالمشاركة بفلذات أكباده دفاعاً عن أرض الحرمين الشريفين، ولا يزال شبابه رغم الجحود والنكران يفقدون الأرواح العزيزة بالمئات وينزفون الدم الغالي؟

أرجع للرد على السؤال، هل هو حسد لإخوتنا المصريين الذين صُبَّت عليهم الأموال والعطايا الخليجية صباً وبالمجان، في حين حُجبت عن السودان الذي عانى ولا يزال من ضائقة اقتصادية ربما لم تحدث في تاريخه الطويل، تهاوت خلالها عملته الوطنية وحدث هرج ومرج عظيم هدّد نظامه الحاكم وفعل به الأفاعيل.

ليس حسداً لكن التداني السعودي مع مصر وخاصة الزيارة الطويلة الأخيرة التي قام بها ولي العهد السعودي للقاهرة في مقابل التنائي الغريب عن السودان هو الذي حرّك الشعور بالظلم والإهانة سيما وأن ولي العهد لم يتكرّم منذ تولّيه منصبه الحالي بزيارة ولو خاطفة للسودان الذي (هرول) حتى أراق ماء وجهه أو كاد تودُّداً وتقرُّباً وبذل الغالي والنفيس ولم يحصد حتى الهشيم!

منح أحد كُتاّبنا الكبار من الذين لا يفرّقون في عدائهم بين النظام الحاكم والوطن الحاضن، وقودًا للحملة التي شنّها أحد المصريين فطفق يتهكّم ويصف السودانيين بالكسالى، مستنداً على قول ذلك الكاتب الشامِت، وقال كاتب سوداني آخر إننا لا نثبُت على موقفٍ، فقد زار الرئيس البشير موسكو التي تقف في المعسكر الآخر المناوئ للسعودية، وزار الرئيس التركي أردوغان السودان بل سواكن بكل ما تمثّله من (إزعاج أمني) للسعودية والإمارات، ولكن متى حدث ذلك، وكم مضى من الوقت قبل اضطرار السودان إلى اتخاذ تلك المواقف؟

كان موقف السودان منذ البداية معلوماً، حين اتخذ موقفاً محايدًا بين السعودية وقطر، وما كان يجوز له أن يتنكّر للصديق (قطر) وقت الضيق، لكن ذلك الموقف المحايد لم يمنعه من فعل ما عجز عنه المقربون بإرسال شبابه للذود عن المملكة، ومن قطع علاقته بإيران مما لم تفعله الدول التي ما انقطعت زيارات العاهل السعودي وولي عهده عنها، وما توقفت ملياراتهم عن ري شرايين اقتصادها المنهك فلماذا يا ترى هذا التجافي؟!

الإجابة عن هذا السؤال تضطرني إلى العودة إلى الدور السعودي والأماراتي في الإتيان بالسيسي لحكم مصر، والذي يشير إلى تحالف استراتيجي بل شخصي بين السيسي والنظام السعودي والإماراتي، في حين أن ذلك مفقود بالنسبة للسودان المصنَّف في الخانة الأخرى في إطار التحالفات الإقليمية والدولية والتي تستدعي في هذا المقام الإشارة إلى مشروع صفقة القرن والصراع العربي الإسرائيلي وموقف السودان من ذلك كله.

لذلك، فقد آن للسودان أن يدرك أن القضية أكبر من زيارات يقوم بها العاهل السعودي أو ولي عهده أو أزمة اقتصادية يتعرض لها السودان أو مشاركة في عاصفة الحزم، فذلك كله يعتبر صغائر بالمقارنة مع القضايا الكُبرى التي تُشغل أولئك الزعماء هذه الأيام وتحكم العلاقة بين التحالفات التي تُبنى هذه الأيام في المنطقة، فما لم يُغيِّر السودان مواقفه الإستراتيجية في إطار التحالفات الجديدة وبالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، فإنه سيظل بعيداً بل مضطهداً، وذلك ما يُذكّرني بموقف السودان أيام الحرب على العراق، وها هو التاريخ يُعيد نفسه من جديد، ولذلك على السودان أن يحسم أمره وينحاز إلى ذاته ومبادئه وإستراتيجياته الثابتة المنحازة للحق الفلسطيني والإسلامي في فلسطين والقدس والأقصى، فالتاريخ يُسجّل ويرصد، والأيام دول، ووعد بلفور لا يزال يكتب، ولورنس العرب لا يزال ينشط، واتفاق سايكس بيكو لا يزال سارياً ومتجدّداً.

إن كان لا بد من عتاب، فإنه ينبغي أن يوجه إلى الصديق الحقيقي (دولة قطر) التي ما عهد السودان منها إلا الوفاء، بل والعطاء بلا مقابل، وبلا منِّ ولا أذى، فلماذا لم تهُب قطر لنجدة السودان وهي تعلم حجم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عانى منها ولا يزال؟

ها هي تركيا أسد الإسلام (أردوغان) تتحرّك من خلال إحدى الشركات لتقدم عوناً اقتصادياً وقروضاً سلعية بملياري دولار، نرجو أن نُحسن توظيفها حتى لا نعود إلى المربع الأول من جديد.

طباعة

0 صوت

التعليقات : تعليق « إضافة تعليق »