تعرف إدنبره بتأثيرها الثقافي الواسعمصدر الصورة Constantin Werscheck/EyeEm

غالباً ما تقاس التأثيرات العالمية بالقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، لكن بالنسبة لبعض البلدان، تعد القوة الثقافية، ومنها الطعام والأزياء والفنون، هي التي تُحدث التأثير الأقوى في العالم الأوسع.

هذه البلدان المؤثرة ثقافياً صنفت في الآونة الأخيرة من قبل مؤسسة “يو أس نيوز أند وورلد ريبورت” وفقا لعوامل مختلفة، من قبيل سمعتها كبلدان مرموقة، وعصرية، وراقية، وسعيدة، ومميزة ثقافياً من حيث الترفيه والمتعة.

وعلى الرغم من أن عدداً من الدول العشر الأولى من هذه البلدان يقع في أوروبا، بما في ذلك إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، فإن القائمة تضم أيضاً اليابان (التي تتبوأ مرتبة عالية في كونها مرموقة وعصرية)، والبرازيل (لسعادة سكانها ووسائل الترفيه لديهم) والولايات المتحدة (لكونها عصرية ومؤثرة ثقافياً).

تحدثنا مع مواطنين في البلدان الخمسة الأولى التي تمثل هذه المجالات من التأثير الثقافي، لنعرف كيف أصبح لبلدانهم تأثير عالمي، وكيف يشعرون إزاء العيش في مكان يحدد ويرسم معالم التطور العالمي.

إيطاليا

تشتهر إيطاليا بعلامات تجارية لمصممين مثل فالنتينو، وأرماني، وفيرساتشي، وغوتشي. وقد نالت إيطاليا 10 نقاط من 10 في كونها “حديثة” و”أنيقة”، وهو ما لا يثير دهشة مواطنين مثل لوتشيو بافالمانو مؤسس مدونة “ThePowerMoves.com”، والذي ينحدر من أبروزو شرق روما.

يقول بافالمانو: “الأمر مجرد فكرة مكررة ومألوفة، لكن الإيطاليين يولون عناية لكل ما يبدو جميلاً، وهم يولون عناية أكثر من غيرهم لأناقة المظهر”.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ميلان هي مركز الأعمال والأزياء في إيطاليا، لكن يوجد بها أيضاً مطاعم راقية ومشهورة

لكن هذه العناية المعروفة بالتفاصيل تمتد لما هو أبعد من الأزياء. “لإيطاليا تأثير كبير على كل شيء له علاقة بنمط الحياة، من الطعام وحتى الأثاث”، كما تقول أنجيلا كورياس، والتي هي أصلاً من سردينيا، وتعيش الآن في روما، وتكتب في مدونة “روم أكتشوالي” على الإنترنت.

الطعام الإيطالي بالطبع له تأثير كبير. ولكي نعيش تأثير تجربة الطهي الإيطالية توصي كورياس بالتوجه إلى العاصمة روما.

وتقول كورياس: “الأزمة المالية أثرت بشكل عميق، لكن سكان روما لم يتوقفوا عن عادة الأكل في المطاعم. هنا يمكنك استكشاف المذاقات التقليدية والوصفات التي ابتكرت مع وجود لمسة عصرية. مطعم بورتو في منطقة بارتيا على سبيل المثال، يقدم الأكلات البحرية المشابهة للأكلة التقليدية ‘كاسيو إي بيبي’ (والتي هي عبارة عن معكرونة متبلة بجبنة بيكورينو مع الفلفل الأسود)، ومع أنها ربما تبدو غريبة، فإن المزج بين الجبن والأطعمة البحرية فيه لذة حقيقية”.

وتعد مدينة بولونيا إحدى الوجهات الثقافية المشوقة للأجانب، والمعروفة أيضاً بتراثها الغني خاصة في ما يتعلق بالأطعمة. وتضم ميلان التي هي أكبر مركز للأعمال والأزياء في البلاد أيضاً عدداً من المطاعم الراقية فضلاً عن جالية أجنبية كبيرة.

فرنسا

“معاصرة” و”مرموقة” و”راقية”. هذه هي المواصفات التي سجلت فيها فرنسا علامات عالية. كما أن عبارة “لا أعرف لماذا” الفرنسية الشهيرة، باتت شيئا يحاول الناس حول العالم تقليده.

روبنز فيلس الذي يعيش في باريس منذ زمن طويل لم يدرك إلى أي حد كانت ثقافة بلاده مؤثرة حتى سافر إلى عدد من بلدان الشرق الأوسط وآسيا.

يقول فيلس: “الناس في بلاد نائية يحبون الطعام الفرنسي والفن الفرنسي والأزياء الفرنسية والتي يستوحون منها أشكالاً ونماذج محلية في بلادهم. لقد التقيت بأناس في إيران وأخبروني كم يحبون الصور المطبوعة المعروفة بالفرنسية باسم موليير. لقد أصابني ذلك بالصدمة”.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تفخر مدينة تولوز الفرنسية المعروفة باسم مدينة الزهور، بتاريخها الذي يزيد على 2000 عام

ويدون فيلس الكثير عن أسفاره في مدونة “بين أراوند ذا غلوب” المعنية بالسياحة والسفر.

ومع أن باريس هي المكان المثالي لمعايشة الثقافة الفرنسية، من الأزياء إلى الطعام، إلا أن بوردو، وليون، وتولوز تشكل بدائل ممتازة وصغيرة للعاصمة الفرنسية.

ويقول فيلس: “بوردو مدينة مرموقة وراقية، وكثير من الطعام والنبيذ يُنتج في تلك المنطقة”.

وفي المدينة أيضاً أكثر المباني التاريخية في البلاد باستثناء باريس. وتعد ليون أكثر المدن الفرنسية سكاناً، وتعرف جيداً بتقاليد الطهي الخاصة بها، وأنجبت عدداً من مشاهير الطهاة.

أما تولوز، عاصمة منطقة أوكيتانييه في الجنوب الفرنسي، فتفخر بأن تاريخها يعود إلى أكثر من 2000 عام، من الرومان والقوط الغربيين، إلى فترة الفن المعماري المسمى تراكوتا. كما تفتخر بلقب “مدينة الزهور”.

ويفخر الفرنسيون بشدة بهويتهم التي شكلت معالم العالم، ويشمل هذا اللغة الفرنسية، والتي يمكن أن تكون من الأمور الصعبة على الأجانب.

ويقول فيلس: “معظم الناس في فرنسا لا يتحدثون الإنجليزية، أو الإنجليزية غير المتقنة. أحياناً يتحدثونها، ولكنهم لا يرغبون في ذلك. ويتعين على الأجنبي أن يتكيف مع اللغة الفرنسية، لأن الفرنسيين لن يبذلوا جهداً ليتكيفوا مع لغتك”.

الولايات المتحدة

تتبوأ الولايات المتحدة مكانة مرموقة في كونها “حديثة”، و”مؤثرة في مجال الفن” حيث يستمتع الناس حول العالم بالأفلام، والموسيقى، والبرامج التلفزيونية الأمريكية.

حتى عندما يسبقها بلد آخر في شيء ما مثل تلفزيون الواقع، الذي بدأ في المملكة المتحدة، تعمل الولايات المتحدة على تكبيره وتوسيعه ليصبح مشهوراً على مستوى العالم.

كما أن صناعة التكنولوجيا التي تتميز بها الولايات المتحدة لها أيضاً أثرها، خاصة وأنها موطن لفيسبوك وتويتر وغوغل وأمازون، حيث يتفاعل ملايين الناس يومياً مع هذه الخدمات والشبكات الاجتماعية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الأفلام والموسيقى والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة يستمتع بها الناس على مستوى العالم

وتضرب هذه الهوية الأمريكية المؤثرة بجذورها عميقاً في مبدأ إمكانية بناء القوة وامتداد الأحلام بعيداً لتتجاوز البدايات المتواضعة.

“مازلنا نؤمن بالحلم الأمريكي هنا، والذي هو ممكن فقط في الولايات المتحدة التي كانت تعرف ذات يوم بالمستعمرة البريطانية التي يقطنها الهاربون من القانون والعبيد والمطاردون دينياً وفقراء العالم”، كما يقول أندرو سيليباك، الأستاذ في قسم الاتصالات السلكية في جامعة فلوريدا، ومدير برنامج الخريجين للإعلام الاجتماعي.

مدينة نيويورك، كبرى مدن الولايات المتحدة، تمثل هذه القيم. وكلمات المغني فرانك سيناترا “إذا تمكنتُ من النجاح هناك، يمكنني النجاح في أي مكان آخر” مازالت تنطبق على مدينة نيويورك المعروفة أيضاً بأنها المدينة التي لا تنام.

وعلى الساحل المقابل، تنتج هوليوود في لوس أنجليس الأفلام والترفيه الذي يشكل الثقافة في الولايات المتحدة وخارجها. يقول سيليباك: “البرامج التلفزيونية الأمريكية التي تصنع هنا تؤثر على الطريقة التي نتكلم بها ونلبس بها، وتؤثر على ما نشاهده، ومن نكون”.

لكن بين المدينتين، تمتد مساحة جغرافية هائلة تشمل محيطات وصحاري وجبالا وأراض زراعية. وتفخر الولايات المتحدة بالتعدد الذي يميز شعبها الذي يبلغ نحو 300 مليون نسمة.

ويقول جون سالا، الذي يكتب في مدونة “ذا راننغ ببليسيست”: “تماماً كخلفياتنا العرقية، جميعنا نشأنا في ثقافات وقيم مختلفة. القاعدة ذاتها تنطبق على جغرافية البلاد. فبناء على شخصيتك وما تهوى نفسك، ستكون تجربة حياتك في الولايات المتحدة مختلفة من مدينة لأخرى. فمدينة ميامي ليست مثل شيكاغو، ولا أورلين تشبه نيويورك في أي شيء. كل مدينة تشكلت بتاريخها وبسكانها. إذا كان لديك تجربة في منطقة معينة ليست هي ما تتطلع إليه تماماً، إذن حاول الانتقال لتجرب العيش في مكان آخر من البلاد”.

إسبانيا

كانت إسبانبا في وقت من الأوقات إحدى أكبر الإمبراطوريات في العالم، وتركت بصمة لا تزول على مناطق كثيرة في العالم، تمتد من أمريكا الجنوبية إلى جزر الهند الشرقية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعد اللغة الإسبانية ثاني أكثر اللغات انتشاراً في العالم بعد الصينية عند القياس بعدد المتحدثين الأصليين

وتعد اللغة الإسبانية ثاني أكثر اللغات انتشاراً في العالم بعد الصينية عند القياس بعدد المتحدثين الأصليين. وساهمت قوة الأفلام الناطقة بالإسبانية وكذلك برامج التلفزيون والموسيقى الإسبانية في تبوء البلاد مكانة مرموقة بين الدول المؤثرة في الثقافة العالمية.

“أينما أسافر، من السهل دائماً أن أعثر على جزء من بلدي، بداية من اللغة الإسبانية إلى الدين، والمطبخ الإسباني، والمهرجانات، وأوجه أخرى كثيرة”، كما تقول إنما جريجوريو من منطقة جاليسيا، والتي تكتب في مدونة “وورلد تو ترافيل” المعنية بالرحلات والسفر.

وتنتشر ثقافة المقبلات (تاباس) المأخوذة من المطبخ الإسباني على مستوى العالم، لكنها أيضا توثق قوة العلاقات بين الناس محلياً. ويقول أندريه أريازا، الذي يعيش في برشلونة وهو مؤسس موقع “برشلونة إيت لوكال” حول تجارب الطهي في برشلونة، إن: “الطعام هنا أسلوب حياة. الأكل مشاركة، سواء مع مجموعة من الأصدقاء أو مع الغرباء الذين حولك، ممن ينخرطون في تبادل أطراف الحديث”.

هذا النوع من التفاعل الاجتماعي مسألة جوهرية في بلد دائماً يضع العائلة والأصدقاء قبل العمل، حيث تستغرق وجبات الغداء وقتاً طويلاً، حيث تجمع ولقاء العائلات هو العادة المتبعة. يقول جيجوريو: “حتى خلال الأزمة الدستورية العام الماضي، كانت الحانات والمقاهي تعج بزوارها ليل نهار”.

وهذا يعتبر تغييراً مرحباً به للأجانب، مثل كوري فارجا، المواطن البريطاني الذي يعيش في اشبيلية منذ ستة أشهر، ويكتب في مدونة “يو كود ترافيل”، حيث يقول: “نحب العيش في إسبانيا لأن الجميع يشعرون بالاسترخاء. الموقف تجاه الحياة هو أنها يجب أن تكون ذات قيمة وأن نعيشها باستمتاع”.

المملكة المتحدة

تتبوأ المملكة المتحدة ترتيباً عالياً بين الدول التي توصف بأنها “مرموقة”، حيث يفخر مواطنوها بقدرتهم على المزاوجة بين أخلاقيات عمل قوية، وإبداع، وانفتاح على التغيير لإنتاج ابتكارات جديدة.

يقول الكاتب إيان هوكينز المقيم في لندن: “لدينا بعض أرقى الجامعات في العالم، كما أن لدينا ذوقا في إقامة المشاريع”. ويضيف: “لا تنسى أن شفرات الآلات، والكمبيوتر، والشبكة العالمية العنكبوتية (الإنترنت) كلها من اختراعات البريطانيين”.

وقد أتاح تأثير اللغة الإنجليزية ومرونتها لبريطانيا أن تزدهر كمكان التقى فيه الناس ليصنعوا مستقبلاً جديداً.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بحسب “يو أس نيوز أند وورلد ريبورت” تتبوأ المملكة المتحدة مكانة عالية في كونها ذات سمعة راقية

ويقول هوكينز: “لغتنا غنية في استعاراتها من اللغات الأخرى، ويقبل الناس على تعلمها لسهولتها”.

ويضيف: “صديقي الفنزويلي وصل إلى لندن قبل 11 عاماً، وفي جيبه 700 جنيه استرليني دون أن يعرف كلمة واحدة بالإنجليزية. واليوم يعمل مستشار أعمال، ويدير أكثر من 30 مطعماً ومحلاً تجارياً. بإمكان أي إنسان أن يأتي لبريطانيا ويصبح كأي شخص بريطاني”.

ينبغي أن يعرف الأجانب أن البريطانيين لا يعنون دائماً ما يقولونه، لهذا يتوجب عليك القراءة بين السطور. “من المهم أن تبحث عن الفروق الدقيقة في اللغة وفي لغة الجسد”، كما تقول الأسترالية أماندا أوبراين، التي تكتب في مدونة “ذا بوتيك أدفينشر”. وتضيف أن عبارة “لست متأكداً” غالباً ما تعني “لا”.

تقول أوبراين: “الإنجليز غالباً يقصدون بدقة عكس ما يقولون تماماً، فلغتهم تعج بالتورية، والمعاني المزدوجة، والفروق اللغوية الدقيقة”.

وبوصفها مركز البلاد التجاري والمالي، تظل لندن الوجهة الأولى للموظفين والعاملين الأجانب. ورغم أن المدينة تعاني من عدم توفر سكن يمكن تحمل تكاليفه، فإن وفرة متاحفها وقاعات الحفلات الموسيقية ومسارحها توفر البيئة الملائمة ليواكب مواطنوها أفضل وأحدث ما على الساحة الإنسانية من ثقافة وفنون.

ويقول أحد المقيمين في لندن واسمه جريجوري جولينسكس وينحدر أصلاً من باريس: “صمويل جونسون له قول شهير: عندما يمل الإنسان من لندن فقد مل من الحياة”.

ويضيف جولينسكس: “أتفق مع ذلك تماماً. يوجد الكثير من الأمور والأشياء التي تجذب الإنسان هنا والتي تمكنك من زيارة مكان مختلف في كل عطلة نهاية أسبوع، فلن تضطر للقيام بالشيء نفسه مرتين”.

لكن التميز الثقافي لا يتوقف عند العاصمة. فمدينة إدنبرة لها تأثير ثقافي كبير، حيث تستضيف مهرجان “فرينج فيستيفال”، أضخم مهرجان فني في العالم، فضلاً عن كونها “مسقط رأس” هاري بوتر. كما تعد مدينة بيرمنغهام في وسط البلاد منافسا آخر لكل من لندن وإدنبرة في مجال الثقافة.

ويقول هوكينز: “من النوادي إلى الفرق الموسيقية، تتميز بيرمنغهام بحياة ثقافية رائعة. وتشتهر المدينة بأن فيها عددا من القنوات المائية يفوق عدد قنوات مدينة البندقية، ومنطقة بيع المجوهرات بها تشهد التقاء أحدث الصيحات مع المهارات التقليدية”.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

—————————————————–

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.